تعد دراسة الصروح الحجرية الضخمة المتبقية من عصور ما قبل التاريخ والمعروفة بـ "الميجاليث" (Megaliths) -مثل موقع ستونهنج بإنجلترا، وصروح كارناك بفرنسا، ومعابد مالطا القديمة- إحدى الركائز الأكثر عمقاً وإثارة للجدل العلمي في الأنثروبولوجيا الرمزية وعلم الآثار؛ فالأنثروبولوجيون لا ينظرون لهذه الصروح الحجرية كأشكال ميكانيكية مصمتة شيدت فقط للمأوى، بل يدرسونها كرموز وبنى معمارية طقسية تجسد التطور المعرفي والاجتماعي والفلكي للمجتمعات الإنسانية القديمة وتماسكها الروحي.
وتميز مهندسو العصر النيوليتي (الحديث) بتشييد هذه الهياكل باستخدام كتل صخرية جرانيتية وجيرية بالغة الضخامة تزن الواحدة منها عشرات الأطنان ومجلوبة من مقالع صخور تبعد مئات الكيلومترات؛ وتطلب هذا العمل مستوى عبقرياً واستثنائياً من "التخطيط والحشد التشاركي طوعياً" للبشر؛ وصيغت في هذا النطاق أبحاث أنثروبولوجية تفيد بأن طقس البناء والتشييد المشترك لهذه الصروح كان سلوكاً واجتماعياً هاماً يعزز مشاعر الجماعية المتساوية البرزخية (Communitas) ويصهر الفوارق القبلية لإنتاج رأس المال الاجتماعي والرمزي الضامن لاستقرار التجمعات وتكامل بقائهم.
وتكشف دراسة "علم الآثار الفلكي" (Archaeoastronomy) عن تخطيط فلكي متطور ورمزي لهذه الصروح؛ فالمحور الرئيسي لستونهنج صُمم وتوافق بدقة هندسية تامة مع اتجاه شروق الشمس في الانقلاب الصيفي (Midsummer Sunrise) واتجاه غروبها في الانقلاب الشتوي؛ لتتحول الصروح لمسارح كبرى لطقوس العبور والصلوات الجمعية والاحتفال بالدورات الكونية لنمو النبات وتأمين الغذاء.
ولا تقتصر الميجاليث على الحجارة؛ بل تمثل أنظمة تصنيف رمزية تقسم الفضاء لثنائية المقدس والمدنس وتحدد حدود الجغرافيا الروحية للقبائل؛ وتوفر الحفريات حول هذه المعابد بقايا عظام حيوانات وطقوس دفن وهبات طينية ومعادن تعكس تداول واقتصاد رمزي وثيق بين شعوب متباعدة جغرافياً وتكافلاً ثقافياً مذهلاً تفوق تكنولوجيا بناءها؛ مما يثبت أن السعي الفلسفي والروحي والارتباط بالرموز الكونية هما المحركان والشرطان الأساسيان اللذان دفعا الإنسان العاقل للتجمع وبناء الصروح ممهدين للتحول نحو الاستقرار والاستدامة بنجاح تاما.