أثبت الأنباط قدرتهم العبقرية ليس فقط في نحت القصور والهياكل المائية الشامخة في صخور البتراء، بل تميزوا بمستويات متطورة وهامة من الهندسة الزراعية والتخزينية أتاحت لعاصمتهم الازدهار كمركز لوجستي للتجارة والترانزيت في بيئة صحراوية قاحلة وصعبة.
وكشفت الحفريات والبعثات الأثرية عن وجود صوامع حبوب وغلال عملاقة محفورة بدقة في عمق الصخور الرملية؛ وتميزت هذه الصوامع بتصميمها العازل تماماً للرطوبة والحرارة الخارجية عبر طلاء جدرانها بملاط خاص مكون من الجير والرماد ومواد طبيعية كابحة للفطريات والآفات لمنع تعفن الحبوب المخزنة من قمح وشعير لسنوات طويلة دون تلف.
وقام مهندسو الأنباط بتصميم فتحات تهوية مائلة وضيقة تتيح دوران الهواء النقي البارد دون السماح بدخول أشعة الشمس المباشرة أو الحشرات القاطعة والمفسدة للحبوب؛ ولعبت هذه الصوامع الاستراتيجية دور صمام الأمان والضمان لبقاء وازدهار المملكة الأنباطية ومقاومة سنوات القحط والجفاف الطويلة وحصار الأعداء، مبرهنين على تكامل عمق الفكر العلمي والهندسي للحضارات العربية القديمة.