على مدى عقود، استقر الرأي في الأوساط الأنثروبولوجية على أن مهد الإنسان العاقل (Homo sapiens) يعود إلى شرق إفريقيا قبل حوالي 200 ألف عام. إلا أن الاكتشافات الأركيولوجية التاريخية في موقع "جبل إيغود" بالمغرب قلبت هذه الفرضية رأساً على عقب، دافعة بجذور جنسنا البشري إلى الوراء بنحو 100 ألف عام إضافية.
في دراسة نشرتها مجلة "Nature" العلمية، تمكن فريق بحثي دولي بقيادة المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بالرباط ومعهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية بألمانيا، من تحديد تاريخ بقايا عظمية لـ 5 أفراد من جنس الإنسان العاقل باستخدام تقنية الرنين المغناطيسي الحراري (Thermoluminescence) على أدوات حجرية محروقة عُثر عليها في الموقع. وأظهرت النتائج أن هذه البقايا تعود إلى قرابة 315 ألف عام.
المثير في تشريح جماجم جبل إيغود هو أنها تجمع بين ملامح حديثة وأخرى بدائية؛ فالوجه والحنك والأسنان تشبه تماماً ملامح الإنسان المعاصر، بينما يظل شكل صندوق الجمجمة مستطيلاً وأكثر قرباً للجماجم البدائية، مما يشير إلى أن تطور الدماغ استغرق وقتاً أطول للوصول إلى شكله الكروي الحالي.
هذا الاكتشاف لم يغير الجدول الزمني لتطور البشر فحسب، بل غير الفلسفة الجغرافية للنشوء أيضاً. فلم يعد تطور الإنسان العاقل محصوراً في "جنة عدن دائرية" بشرق إفريقيا، بل أصبح يُنظر إليه كعملية تطورية شاملة امتدت عبر القارة الإفريقية بأكملها بفضل الترابط البيئي والمناخي الذي سمح بالتنقل وتبادل المهارات والجينات بين المجموعات البشرية المتباعدة.